ابن الجوزي
310
كتاب ذم الهوى
على قدر التشاكل ، واستدل بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » « 1 » . قال : وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام ، فمال الجنس إلى الجنس ، فلما افترقت في الأجساد بقي في كل نفس حبّ ما كان مقاربا لها ، فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة مالت إليها ، ظانّة أنها هي التي كانت قرينتها ، فإن كان التشاكل في المعاني كانت صداقة ومودة ، وإن كان في معنى يتعلق بالصورة كان عشقا ، وإنما يوجد الملل والإعراض في بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة . وأنشدوا في ذلك : وقائل كيف تهاجرتما * فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته * والناس أشكال وألّاف أخبرنا إبراهيم بن دينار ، قال : أنبأنا محمد بن سعيد بن نبهان ، قال : أنبأنا الحسن بن الحسين النّعالي ، قال : حدثنا أحمد بن نصر الذّارع ، قال : حدثنا خلف بن الوليد ، قال : حدثنا سهل بن عمرو الفقيمي ، قال : قيل لبعض الحكماء : أي الحب أغلب ؟ قال : حب متشاكلين . وقد روى أبو القاسم سعد بن علي الجرجاني ، قال : حدثنا أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن سليمان الأنصاري ، قال : حدثنا أبو علي هارون بن عبد العزيز الكاتب ، قال : حدثنا أحمد بن محمد الغنوي ، قال : خرجت إلى الكوفة فجاءني ظرفاؤها فقالوا : هاهنا فتيان تحابّا ، وقد اعتلّ أحدهما فنريد أن نعوده ، فقلت : خذوني تعودوا العليل وأعود الصحيح . فمضينا فوجدنا فتى ملقى على سرير وفتى منكبّا عليه يذبّ عليه وينظر في وجهه ، فلما رآنا فرج لنا عن صاحبه ، فجلس أصحابي حوله ، وجلست بإزاء الصحيح ، فكان العليل إذا قال : أوه من
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3336 ) ، ومسلم ( 2638 ) عن أبي هريرة .